دراسات إسلامية

 

الاغتراب في الإسلام

بقلم: فريد أمعضشو

 

 

 

لقدِ اغتدى الاغترابُ الآن- ظاهرة بارزة في المجتمعات المعاصرة، استفحل أمرُها في الشرق والغرب معًا؛ لعدة أسباب. وقد تطرق إلى دراستها علماء من تخصُّصات معرفية شتّى، وقدّموا حَولَها تصوُّرات عدّة. وكان لعلماء الإسلام، قدمائهم ومُحْدَثيهم، إسهام مشهودٌ في هذا الصّدد، ستحاول الأسْطر المُوالية تبيانَ بعض مَعالمه.

     عندما بزغ هلال الإسلام حاملًا مشعلَ النور والهداية والخير، لم يستجبْ له بادئ الأمْر إلا نَـفَر قليل من الناس، مُعظمُهم من قرابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. على حين كانت الكثرة الكاثرة من العرب تَهيم في عبادة الأصنام والأوثان التي لا تُسمن ولا تغني من جوع. وكانت تنعت القلة التي لبَّتْ دعوة محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم- بـ«الغرباء». يقول الحديث: «بَدا الإسْلامُ غَريبًا، وسيَعودُ غَريبًا كما بَدا، فطُوبَى للغُرَباءِ». فالغرباء - في هذا الحديث- فئة قليلة من أهل الصلاح والتُّـقى آثَرَتْ سبيلَ الله على سبيل الشيطان في مستهلِّ الدعوة المحمّدية، ونَأتْ بنفسها عن الشُّبُهات والشَّهَوات حين افتتنَ المسلمون بها. وفي آخر الزمان، سيعود المتمسِّكون بالإسلام كالقابضين على الجمْر، يُنظَر إليهم نظرة ازدراء وتنقيص وتهميش، ويصنَّفون في خانة الغرباء؛ لمخالفتهم طريق السَّواد الأعْظم من أبناء مجتمعاتهم، ولقيامهم بإحْياء سنة المصطفى -صلى الله عليه وسلم- عندما يرغب عنها الناس. وفي الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سُئل عن الغرباء، فقال: «الذين يُحْيُون ما أمَاتَ الناسُ مِن سُنَّتي». وهؤلاء الغرباء عند الله أعلى منزلة، وأرقى درجة. يقول الحديث: «خِيَارُ أمَّتي أوَّلُها وآخِرُها، وبيْنَ ذلكَ ثَبَـجٌ أعْوَجُ ليْس منكَ ولسْتَ منهُم».

     ويجعل دينُنا الحنيف عبادَ الله ثلاثَ درجات متفاوتةٍ؛ أعْلاها درجةُ العلماء، تليها درجة المؤمنين، على حين تعَدّ درجة المسلمين أدْناها كلِّها. قال تعالى: «قالتِ الأعْرابُ آمَنّا قلْ لَمْ تُؤْمِنُوْا ولٰكِنْ قُوْلُوْا أسْلَمْنَا»(1). وقال أيضًا: «شَهِدَ اللهُ أنَّه لَا إلٰهَ إلّا هُوَ والْـمَلٰئِكَةُ وأُوْلُو الْعِلْم»(2). فإذا كان الإسلام إقرارًا باللسان وعَمَلًا بالجَوارح، فإن الإيمان فضلًا عن ذلك - تصديقٌ بالحـسّ الباطن. أما العلم فهو يفوق ذلك كلَّه بكوْنه إعمالًا للفكر والنظَر. هذه الدرجات الثلاثُ تقابلها ثلاثُ درجاتٍ من الاغتراب، هي:

     «1- اغتـراب المسلم بين الناس.

     2- اغتـراب المؤمن بين المسلمين.

     3- اغتـراب العالِم بين المؤمنـين»(3).

     ولقلة المسلمين وتميُّزهم من عموم الناس بالخُنوع والإذعان للأوامر والنواهي الربّانية سُمُّوا «غـرباء»، ولقلة المؤمنين بين المسلمين وانفرادهم بالتصديق والاعتقاد القلْبي الصحيح سُمّوا «غـرباء»، ولقلة العلماء بين المؤمنين وتفرُّدهم بإعْمال الفكر والنظر في ملكوت الله قبل الحُكم والتقويم سُمُّوا «غـرباء». وغربة العلماء هي أشد أنواع الاغتراب وحشة، وأجْلاها مقامًا.

     ولذلك، يعرِّف عبد الله بن محمد الهروي الأنصاري الاغتراب بأنه «أمرٌ يُشار به إلى الانفراد على الأكْـفاء»(4)؛ بمعنى أن كل من انفرد بوصف جليل دون أبناء جنسه فإنه غريب بينهم، مغترب عنهم. و «الانفراد» المذكور في كلام الهروي يمكن أن تقترن به ثلاثة أشكال من الاغتراب أو الغربة:

     -1- غربة الأجسام: وتعني الاغتراب عن الوطن والأهل طوعًا أو كرهًا. وهي مشتركة بين الناس جميعًا، قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- لابن عمر: «كُنْ في الدُّنيا كأنّكَ غَريبٌ أو عابِرُ سَبيل»(5).

     -2- غربة الأفـعال: وهي غربة أهل الصلاح والتقوى بين أهل الفسق والفُجور، وغربة الصّدّيقين بين المنافقين، وغربة العلماء بين الجُـهّال.

     -3- غربة الهِـمّة: وهي غربة باطنة يختصّ بها الصوفية وأصحابُ المعرفة الذوقية الإلهامية، ويسميها الهروي «غربة الغربة»، ويجعلها في المرتبة العليا.

     إن الاغتراب في الإسلام إيجابي؛ ذلك بأنه يَرُوم الابتعاد عن الرذائل، وترْك حياة الفُسّـاق، ويقود إلى الزُّهد في مُتَع الدنيا. ولا يجب أن نفهم من ذلك أن الإسلام يَأدِبُ إلى اعتزال الناس، أو العيش بينهم كأموات. كَلاَّ! إن الإسلام يُقصي من دائرته مَنْ لا يهتم بأمور المسلمين ومشاكلهم الداخلية والخارجية، ويَعيب على المتصوِّفين تصوُّفًا خاطئًا. ويكون الاغتراب مقبولًا في الإسلام ومستحْسَنًا، إذا فهمْناه الفهمَ السليم. أما في الغرب، فنجد أن الاغتراب يمثل ظاهرة مَرَضية تكشف عن واقعٍ يحْكُمُه منطقُ المادة في غيابٍ مُطْلق للقيَم الروحية؛ وعليه، فقد اختلَّ التوازن، وعمَّ الاضطراب، وفشا الانحرافُ بشتى ألوانه.

     وعلى العموم، فـ«الاغتراب بالمعنى الإسلامي اغترابٌ عن الحياة الاجتماعية الزائفة الجارفة، واغترابٌ عن النظام الاجتماعي غير العادل. فالغرباءُ قاوَموا الحياة ومُغْرَياتها بطريقة إيجابية... فقهروا السلطتين جميعًا، سلطة الحكام وسلطة النفس بترْويضها على الطاعات والمُجاهَدات، واعتزالهم عن الناس؛ فحلَّ النظام الروحي الداخلي الذي يُشيع في النفس الشعورَ بالأمن والأمان محلَّ النظام السياسي الخارجي الذي أدْخل الرعب والخوف في قلوب المسلمين، بعد أن تفشَّت بينهم فتنة الشهوات وفتنة الشبهات»(6).

*  *  *

الهوامش:

(1)      سورة الحجرات، من الآية 14. (رواية الإمام ورش)

(2)      سورة آل عمران، من الآية 18.

(3)      فتح الله خلـيف: الاغتراب في الإسلام، مجلة «عالم الفكر»، الكويت،  ع.1، مج.10، 1979، ص92.

(4)      نفـــســه.

(5)      رواه البخاري عن مجاهد عن ابن عمر. (البخاري: صحيحه، عالم الكتب، بيروت، كتاب الرقاق، حديث رقم5، 8/159)

(6)      فتح الله خليـف: الاغتراب في الإسلام، ص88، بتصرف.

 

* * *

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم ديوبند ، جمادى الأولى 1437 هـ = فبراير – مارس 2016م ، العدد : 5 ، السنة : 40